محمد حسين علي الصغير

198

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

بينة ، وكما لا يطيق الأعشى مقابلة تلك الأنوار ، فكذلك لا يطيق المعرض متابعة هذه الآيات ، فكما عطلت الجوارح عطلت الأفئدة ، فالعمى هنا كناية عن الأعراض فهو بالقلب ألصق ، وإلى البصيرة أقرب ، وذلك من دقائق الفن القولي في الاستعمال القرآني ، وهو يؤكد هذه الحقيقة بتكثيف هذه الحالة الفريدة التي يعايشها الضال في ضلالته ، إذ يخلى بينه وبين الشيطان فيمسك به ، ويجد السبيل إليه مفتوحا ، فيلازمه ملازمة الظل للشاخص ، يوسوس به تارة ، ويزيّن له عمله تارة أخرى ، فيرديه ويهوي به إلى الحضيض ، صدرا عن سبيل اللّه ، وإرصادا للذين آمنوا وللايمان نفسه ، ويبقى في سكرته لا يفيق حتى يفاجأ بالنهاية المرعبة ، وقد كان من قبل سادرا في غيه ، موغلا بالعماية ، والأنكى من ذلك أن يوهمه هذا القرين بأنه على قصد الطريق ، ولا يثوب إلى رشده إلّا وهو في حمأة العذاب ، فيعلل نفسه بالمنى يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ . وهو بذلك « يريد بعد المشرق والمغرب فغلب كما قيل : العمران والقمران . فإن قلت : فما بعد المشرقين ؟ قلت تباعدهما ، والأصل بعد المشرق من المغرب ، والمغرب من المشرق ، فلما غلب وجمع المفترقين بالتثنية أضاف البعد إليهما » « 1 » . ولكن بعد المفاجأة الكبرى التي تنتظره ، وهي لقاء اللّه تعالى في ومضة من الزمن ، ولمحة من انتهاء الحياة ، وإذا بالمنى كاذبة جملة وتفصيلا ، وإذا بالارتباك والحيرة والاضطراب محيطة به من كل مكان ، فالشيطان قرين له وبئس القرين ، لقاء معه فلا بعد ، واجتماع به فلا افتراق ، فهما قرينا سوء ، وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ ( 39 ) ، فلا تخفيف في المشاركة ، ولا تبعة في التحمل ، العذاب متساو لا يتقاسمه شركاء النار ، وفي هذا إيحاء بمخالفة القاعدة السائدة : أن المصيبة إذا عمت هانت ، ومع ذلك فإن التيئيس يصكهم برهبته وشدته ، فالكل في كارثة لا يلتفت معها أحد إلى أحد ، فلا مواساة ولا ترويح . ويتجه الخطاب إلى الرسول الأعظم صلى اللّه عليه وآله وسلّم تسلية له على ما أصاب القوم ، إذ ليس بمقدوره أن ينقذ من كتب له الضلال بعد إلزامه بالحجة :

--> ( 1 ) الزمخشري ، الكشاف : 3 / 488 وما بعدها .